حديث الشيعة والسنة – 1
|
كتب عبدالجليل الطبطبائي : |
قبل الدخول في موضوعنا هذا يبدو من المفيد ان نسطر هذه المقدمة الموجزة.
نحن بني البشر ليكن معلوماً لدينا ان الله سبحانه وتعالى لا توجد بينه وبين اي احد من عباده علاقة قرابة او نسب او مصاهرة، والعلاقة الوحيدة التي تربط الانسان بربه هي التقوى فقط، فهو جلت عظمته إله الخلق جميعاً ومصدر للحياة والعطاء والرزق والفيض لهم كافة من مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين، وحتى اولئك الذين يلحدون وينكرون وجوده سبحانه وغيرهم، من دون تمييز، ولرحمانية شاملة كل عباده، وكما يقال «الخلق عيال الله، وهو في غنى عنهم وهم فقراء اليه»، وكما جاء في الآية الكريمة «يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد» (آية 15 ــ سورة فاطر). واودع سبحانه في هذا الكون قوانين وسنناً إلهية كل من يسعى الى تفكيك اسرارها واكتشاف بواطنها يتوصل الى حقيقتها، وبالتالي يستأثر وحده بثمراتها ومنافعها، كما نشاهد في عالمنا المعاصر ما توصل اليه البشر في جميع ميادين العلم والمعرفة من فيزياء وطب وزراعة وهندسة وغيرها، وسواء أمسلماً كان المكتشف ام كافراً ام مشركاً ام ملحداً، فلا فرق في ذلك، والقاعدة واحدة بالنسبة للجميع، وكما جاء في المأثور من القول «من جد وجد ومن زرع حصد»، فعلى سبيل المثال لو ان شخصين احدهما كافر والآخر مسلم مؤمن ورع تقي، الاول يجيد ويتقن السباحة والآخر لا يجيدها، ورمى كل منهما نفسه في البحر، فسترى الكافر ينجو من الغرق لمعرفته واجادته السباحة، بينما يكون الهلاك من نصيب هذا العبد المؤمن لجهله وعدم اتقانه السباحة، فهنا النتيجة حتمية وفقاً للسنن الالهية، ونرى اجماعا بين الناس على ان السبب في هلاك هذا العبد المؤمن هو عدم اجادته السباحة من دون ان يثير ذلك استغراب احد منهم لان في ذلك سنة جرى الأمر بموجب مقتضياتها، ونرى ان الله سبحانه وتعالى عندما يسن سنة في نظامه الكوني لا يفرط في تطبيقها او المسامحة فيها. هذه المقدمة احببت ان ابدأ بها موضوعنا هذا.
بل ونحن نشترك مع بقية البشر في الخلق والانسانية يلزم علينا توفير الامان لهم والمحافظة على دمائهم واموالهم مهما اختلفوا معنا في العقيدة، وكما جاء في القرآن الكريم «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون» (آية 151 ــ الانعام)، «.. من قتل نفساً بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا…» (32 ــ المائدة)، «والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق..» (آية 68 ــ الفرقان)، لذا قتل النفس والتجاوز عليها مستنكر عقلاً وشرعاً.
كيف بدأ الاختلاف عند المسلمين؟
بداية في عهد الرسول الكريم (ص) كان المسلمون ملتزمين جميعا بقيادته، وكانت اوامره ونواهيه وتعليماته (ص) عندهم مقضية، وكان قوله الفصل والحاسم وامره مطاع في اي نزاع او خلاف ينشب بينهم ولا يختلف في ذلك اثنان، ولكن بعد رحيله (ص) والتحاقه بالرفيق الاعلى ارتبك الوضع قليلا بين المسلمين، ولكن الامور مرت بسلام في عهد الخلفاء الراشدين (رض)، ولكن تأجج واشتد الخلاف بينهم فيما بعد، وبالذات مع بداية الحكم الاموي، إذ كان للجهاز الحاكم انذاك دور فعال وبارز في اذكاء الخلاف لاسباب سياسية بحتة لا علاقة للشريعة بها، ومع استمرار هذا الخلاف واستحكامه في المجتمع الاسلامي وتطوره، انجلى الوضع الى بروز وظهور مدرستين او اتجاهين او قراءتين في تفسير وفهم الاسلام، واكبر هاتين المدرستين واكثرهما اتباعا هي مدرسة اهل السنة والجماعة التي رأت الاخذ برأي الصحابة (رض) في تفسيرها وفهمها للدين الاسلامي، والمدرسة الاخرى هي المدرسة الامامية التي رأت الاخذ من ائمة اهل البيت (ع) في تفسيرها وقراءتها للاسلام، وهذا لا يمنع من ان هناك مدارس ومذاهب اسلامية اخرى ظهرت ايضا ولها قراءاتها وتفسيراتها الخاصة بها، وهي موجودة ومعتبرة ومعترف بها عند المسلمين في عصرنا الحاضر، كالاباضية على سبيل المثال لا الحصر، ولكن اردنا ان نلقي الضوء على هاتين المدرستين لانها اكثر اتباعا، واللغط بينهما كثير والخلاف مستشر، ويوجد من يؤجج الخلاف بينهما على مر التاريخ لمصالح واغراض لا يعلمها الا الله سبحانه، ونتيجة لاختلاف وجهات النظر بينهما في بعض القضايا ابتلى المسلمون بفتن ونزاعات لا نهاية لها، مما ادى الى بلبلة الاوضاع في المجتمعات الاسلامية على مر السنين، فسالت دماء بريئة بينهم من دون وجه حق، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك الزمن وانسحبت اثاره المفجعة والمشينة الى ايامنا المعاصرة، والامة ما زالت تعيش هذا الابتلاء الجلل وهي مثقلة بتراكماته، وهذا غير جائز شرعا في جميع المذاهب الاسلامية، السنية منها والشيعية، ولعل للسياسة دوراً احيانا في مثل هذه القضايا، ولكن الطامة الكبرى هي الجهل والتخلف عند المسلمين انفسهم، فقاتل الله السياسة والجهل معا.
يتبع الجزء الثاني
|
كيف يختار الإنسان عقيدته؟ الشيعة والسنة (2) |
|
كتب عبدالجليل الطبطبائي : |
الجواب: قدوم الانسان إلى هذه الدنيا لم يكن باختيار منه ولكن كان رغم أنفه، فوجوده على هذه الأرض جبري لا حول ولا قوة له في ذلك، ويخرج الإنسان من بطن أمه وصفحته بيضاء وذهنه فارغ من كل اشكال الفكر والعقائد والصور، لا يعلم شيئاً، وكما جاء في القرآن الكريم «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون» (آية 78: سورة النحل)، ثم أخذ هذا الوليد يترعرع في احضان وكنف والديه وبعد مرور فترة من الزمن يصلب عودة ويشب فتراه تلقائياً أخذ عقيدة والديه وأهله وتشرّبها ولعل هذه الحالة هي أكثر الحالات انطباقاً على بني البشر منذ سالف الأيام وحتى أيامنا المعاصرة، فنرى البوذي واليهودي والمسيحي وغيرهم يتوارثون العقائد والمذاهب من داخل أسرهم بالدرجة الأولى ولعل الحديث المروي عن الرسول الكريم (ص): «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، مصداق واشارة إلى هذه الحالة، والأجيال تتوارث هذه العقائد جيلاً بعد جيل ولكي نكون أكثر دقة وتحديداً يمكن القول ان انتماء الأغلبية للأديان والمذاهب ابتداء جاء بهذه الطريقة، وهذه القاعدة لم يتخلف عنها المسلمون أيضاً في انتماءاتهم المذهبية، فنرى المسلم السني يخرج من أسرة سنية، والمسلم الشيعي يخرج من أسرة شيعية، وهكذا نرى أن الأسر والعائلات تقاسمت العقائد والأديان في ما بينها وانتشرت وتوزعت على أمم الأرض كلها بهذه الطريقة، ولعل هذا التنوع في الاديان والمذاهب تطبعت عليه البشرية ومتأصل فيها منذ فجر التاريخ، بل ومنذ وجود الانسان على هذه الأرض، ومصاديقه كثيرة بين الأمم ولم تسلم منه الديانات السماوية أيضاً. ولو شاء ربك لأجبر الناس وجمعهم على دين واحد، ولكن أراد أن يبتليهم بهذا الاختبار، يقول تعالى «.. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم..» (آية 48: المائدة)، و«.. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى..» (آية 35: الانعام)، «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً..» (آية 99: يونس). وجعل سبحانه حرية اختيار الدين والعقيدة بيد الانسان وحده، وهو المخلوق الوحيد الذي شرفه واكرمه بهذه الحرية وميزه بها عن سائر مخلوقاته، وهذا أمر منطقي، لأنه في غير ذلك يعتبر الإيمان جبرياً لا قيمة له ومن ثم لا معنى للثواب والعقاب والحساب يوم القيامة، فقال جل شأنه «لا اكره في الدين قد تبين الرشد من الغي..» (آية 256: البقرة)، «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (آية:99: يونس)، ولكن سبحانه رحمة بعباده بعث إليهم الانبياء والرسل لبيان الخط الصحيح من العقائد وجوهرها جميعا التوحيد والوحدانية وأمر الناس باتباع هؤلاء الرسل، لأن في ذلك طريق الهداية والخلاص من الشرك والضلالة ومن ثم جعل لهم الاختيار في سلوك هذا الطريق أو غيره وكما جاء في القرآن الكريم «انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفورا» (آية 3: الانسان)، «وهديناه النجدين» (آية 10: البلد)، وبناء عليه جعل الثواب والعقاب كما مر بنا ولكن بعد اتمام الحجة على خلقه عن طريق رسله وانبيائه.
وقال جل شأنه «.. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (آية 15: الاسراء)، وجعل مسؤولية الانسان فردية امام ربه يوم القيامة، وفي هذا الموقف العظيم يواجه الانسان ربه فرداً وحيداً وتتلى عليه صحيفة الدعوى، حيث يطلب منه الرد على كل سؤال يوجه اليه، فعليه ان يخرج ما في جعبته من حجج واسانيد استند عليها خلال مسيرته الدنيوية في ما صدر منه من اعمال وما تبنى من معتقدات، فلا اهل ولا ظهير ولا معين ولا ناصر له، وكما جاء في القرآن الكريم «فاذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون» (المؤمنون: 101)، و«كلهم آتيه يوم القيامة فردا» (آية 95: مريم)، «ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون» (آية 94: الأنعام)، «اولئك الذين حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين» (آية 22: آل عمران)، «يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر» (10،9: الطارق)
ولكن، هل العقيدة المتوارثة مقبولة عند الله سبحانه ومبرئة للذمة؟
الجواب: لا، ان الاحتجاج بالوراثة بتبني عقيدة او مذهب ما اقتداء بالآباء والاجداد حجة غير مقبولة لدى البارئ تعالى ولو ان مثل هذا الاحتجاج كان كافياً ويؤخذ لقبله الله سبحانه من الاقوام السابقين عندما واجهوا انبياءه ورسله بهذه الحجة، والقرآن الكريم خير شاهد على ذلك والآيات مستفيضة في هذا الشأن، منها قوله تعالى «.. قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا..» (آية 104: المائدة)، «قالوا اجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا..» (آية 78: يونس )، «بل قالوا انا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون» (آية 22: الزخرف)، «..انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون» (آية 23: الزخرف).
فالمسلم ان كان شيعياً او سنياً او من كان يحمل عقيدة اخرى فعليه طرح الوراثة جانباً في تبني العقيدة او المذهب، وانما يجب ان تؤسس هذه المعتقدات على الادلة والبراهين لا غير، ومن المنطق والعقلانية ان يطرح كل منا هذا السؤال على نفسه: كيف اعتنقت الدين او المذهب الذي انا عليه، هل اعتقدت بأحقيته عن بحث ودراية ودليل، ام هو مجرد تكرار لما كان عليه آبائي واجدادي ولاقى قبولاً في نفسي، واظنه هو الصحيح؟
اذا كان الجواب: نعم، بالعلم والادلة والبراهين توصلت الى ما انا عليه من عقيدة لا بالوراثة وهوى بالنفس او بالظن، فأنت على خير ان شاء الله.. واما اذا كان الجواب بأن عقيدتي مبدئياً اخذتها عن والدي واهلي وتعاطفت في ذلك معهم ولاقى ذلك في نفسي قبولاً وهوى واظنه هو المهذب الصحيح وانا مرتاح الضمير بما انا عليه ولكن دون ان اتحقق واتيقن من صحة او خطأ ما اتبناه بالبحث والدراسة، فموقفك صحيح ان شاء الله، ولكن حجتك ناقصة بعض الشيء ودليلك غير كاف ولا يرقى للاخذ بك الى مرتبة اليقين والاطمئنان الموضوعي لا النفسي ولا العاطفي، فهنا يحتاج الامر منك قليلاً من الجهد والمعاناة والدراسة لتعزيز موقفك ومتبنياتك العقيدية ويكون ذلك بالاخذ بالوسائل والطرق العلمية بحيادية وتجرد تام وطرح المشاعر والاهواء الشخصية والظن والمشي وراء الآخرين عشوائياً، لان مثل هذه الامور غير جديرة ولا علاقة لها بالعلم والمعرفة حتى تعين وتساعد صاحبها للاخذ بالرأي الصحيح والمعرفة الحقة. وكماء جاء في القرآن الكريم «.. ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه فكان امره فرطا» (آية 28: الكهف)، «.. ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون» (آية 116: الانعام)،
«وما يتبع اكثرهم الا ظناً ان الظن لا يغني من الحق شيئاً..» (آية 36: يونس)، «..ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس..» (23: النجم)، والله سبحانه يرجع الامور كثيراً الى العقل والتدبر في المعرفة لا الى الظن والهوى والآيات مستفيضة في ذلك ومنها: «.. كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون» (آية 28: الروم). «ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون» (آية 4: الرعد)، «كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون» (آية 242: البقرة)، «أفلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين» (آية 68: المؤمنون)، «كتاب انزلنا إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر اولوا الالباب» (آية 29: ص).
وأي امرئ عاهد ربه بأن المعرفة الحقة هي هدفه ويعمل جاهداً من اجل الوصول اليها، فإن الله سبحانه وتعالى لا يخيب امله البتة وحاشاه سبحانه، بل سيكون له خير سند وظهير وناصر، وسيفتح له ابواب رحمته ويزيده من فضله ويأخذ بيده الى طريق الهدى، وكما جاء في كتابه العزيز «ويزيد الله الذين اهتدوا هدى..» (آية 76 : مريم)، «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا..» (آية 69: العنكبوت).
|
حديث الشيعة والسنة (3) |
|
مبادئ لخلق أجواء تفاهم |
|
كتب عبدالجليل الطبطبائي : |
لعل المبادئ التالية تساعد في خلق اجواء علمية هادئة يسود فيها التفاهم وتبادل الآراء وتقريب وجهات النظر بين اطرافه ونزع فتيل الفتنة بين المذاهب والاديان.
أولاً: الحوار: من اهداف الفرد المؤمن في الحياة السعي للوصول الى الحقيقة وهداية الآخرين. وكما جاء في الحديث الشريف «الحكمة ضالة المؤمن» حيث يساعد ذلك في خلق مجتمع متزن خال من الامراض الاجتماعية ويسوده الامن والامان، ولا يمكن ان يبلغ الإنسان ذلك إلا بالحوار والتفاهم ونبذ العنف. والحوار حالة حضارية لا غنى للبشرية عنه منذ فجر التاريخ والى ما شاء الله، وهو من مختصات الانسان لانه يتعلق بالفكر والتفكير ويتوسل اليه الإنسان بالاخص عند الشدائد والملمات كالحروب والفتن والاضطرابات المذهبية والعقائدية، وهي اخطرها جميعا لانها تعصف بامن المجتمعات وامانها، وبالتالي تهدد وجودها وبقاءها. والحوار يتجمل به الحكماء والمصلحون ويبغضه الفاسدون والنفعيون لان وجودهم ومصالحهم ترتبط بالفتن وتعكير صفو المجتمعات وهداوة اوضاعها. ومن اجل تقريب وجهات النظر وجعل الحوار مثمرا وسلسا بين اطرافه، يستحسن اخذ بعض اصوله في الاعتبار منها ان يكون موضوع الحوار واهدافه واضحة بين اطرافه ولا يكتنفها الغموض، وان يسود جو الحوار حسن الظن ويقنع كل طرف نفسه بأنه لا يمتلك الحقيقة وحده، ويفترض بأن عند الطرف الآخر شيئاً منها ووجهة نظر قد تستحق الاستماع إليها، ويكون الحوار موضوعيا خاليا من العواطف والاستفزاز وازدراء وتسفيه رأي الآخر، وان يتسم خطاب الحوار بالكياسة واللين والمرونة وتجنب التعنت والخشونة في الطرح حتى يلقى قبولا واستحسانا وأذنا صاغية وطريقا سهلا الى قلب الطرف المقابل. واما السلوك المعاكس فلا يزيد القلوب إلا بعدا والمشاكل الا تعقيدا او سوءا. والقرآن الكريم حث على التحلي بالحكمة في الطرح «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن..» (النحل: 145)، «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (فصلت: 34)، «اذهبا إلى فرعون إنه طغى وقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى» (طه: 43، 44). بل اكثر من ذلك المطلوب من المتحاور المؤمن التحلي بالصبر وضبط النفس وتحمل اذى وحماقة الطرف الآخر احيانا من اجل التوصل إلى الهدف المنشود، وكما جاء في القرآن الكريم «… وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الامور» (لقمان: 17).
ثانياً: القدسية والتقديس: الأرض تتقاسمها الديانات السماوية وغير السماوية، ولكل امة من هؤلاء مقدسات يجلونها ولها، عندهم اعتبارات فوق الاعتبارات العادية. ومن الطبيعي الالتزام بعدم اهانتها والتعرض لها وهذا حق ويتطلب النظر الى هذه الامور برزانة وعقلانية من اجل سلامة المجتمعات واستقرار اوضاعها. وحفظ مقدسات الغير فيه حفظ لمقدساتنا وصونها من الاهانة والتجريح والاستهزاء بها، وهذا مبدأ قد يستنتج من الآية الكريمة «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم…» (الأنعام:108). قد تقر هذه الآية الكريمة مبدأ عدم التعرض لمقدسات الغير ولو كانوا مشركين، لان في ذلك مصلحة عامة فيها حفظ لدماء الناس وامنهم، بل فوق ذلك قد يتعرض الباري تعالى للسب والسباب والعياذ بالله، فهذا النوع من السلوك مستهجن ولا ينسجم مع سلوكيات وتصرفات الفرد المؤمن كما في مفهوم الآية الكريمة «.. وإذا مروا باللغو مروا كراما» (الفرقان: 73)، و«وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» (الفرقان: 63). والسب والشتم نوع من اللغو والجهالة ولا يليقان بالإنسان المؤمن. وروح عدم التعرض لمقدسات الغير يجب ان تسود بين المذاهب الإسلامية من باب اولى للحفاظ على تماسك مجتمعاتها وصونها من الاعداء. ولكن التقديس يصبح احيانا حائلا بين الانسان والمعرفة وبالتالي يصبح الوصول إلى الحقيقة مستحيلا، فمثلا اذا تعرض شخص او كتاب او تفسير او حادثة تاريخية للنقد فإذا كان هذا ليس استفزازيا بل معززا بالادلة والبراهين العلمية والوثائق التاريخية، فلا يمكن التصدي لمثل هذا النقد بالتقديس والقدسية لانه خلاف العقل والمنطق، بل يجب بالرد الموضوعي والحجة بالحجة والسند بالسند والا فالتقديس بهذه الطريقة يصبح عائقا مانعا للوصول الى الحقيقة والفهم الصحيح، فعليه يجب حصر التقديس والقدسية في الانبياء والمرسلين والمشهود لهم بالعصمة وبالكتب المنزلة من الله تعالى وحده فقط، لان منابع المعرفة عند هؤلاء غير التي عند باقي البشر، والمصدر الذي يتزودون منه غير متوافر لغيرهم وهم على اطلاع مباشر على الحقائق بتسديد وباذن الله تعالى، ولذلك لا تدخل هذه الحقائق في دائرة التجريح والنقد بل تدخل في دائرة القدسية والتقديس. واما الافكار والنظريات والتفسيرات الاخرى فانها مجهودات بشرية غير منزلة من عند الله سبحانه، بل هي اجتهادات يصيبها النقد كما يصيب غيرها من الافكار والتفسيرات والقراءات، والا اصبحت اضافات للكتب المنزلة بل لا يوجد في الشرع ما يؤيد اضفاء صفة القدسية عليها، بل الضرورة تستوجب التأمل فيها واحالتها الى النقد وفرز محتوياتها وابداء الرأي فيها وتجديد وتطوير مناهجها وجعلها متناغمة ومنسجمة مع عصرها وزمانها، مع عدم المساس بالثوابت واصوله الشريفة. وفي غير ذلك يصبح الفكر الاسلامي متحجراً وعاجزاً ورهينة بيد هؤلاء عبر التاريخ، وبالتالي يصبح غير قادر على الاستجابة لمقتضيات العصر والمفاهيم المستجدة، ويصيبه التخلف والرجعية مما يسهل على اعدائه النيل منه والتظاهر عليه، وهذا لا يعني انكار دور المفكرين ورجالات الفكر السابقين في مساهاماتهم الحضارية وفي احياء علوم الدين وتطوره والتصدي للافكار المضادة عبر القرون وبهذا يستحقون كل اجلال وتقدير.
ثالثاً: الأفكار القبلية أو القبليات: وهي الافكار والمعلومات التي تراكمت بفعل الزمن في سجل ذاكرة الانسان في مواضيع شتى يستعين بها ويستخدمها كلما رأى حاجة الى ذلك. لنفرض ان حواراً مذهبياً سيجري بين طرفين احدهما ينتمي الى مذهب اهل السنة والجماعة والآخر ينتمي الى مذهب الامامية فعندما يستقر الطرفان على طاولة الحوار في قبالة بعضهما اول ما يطفو على سطح ذهن كل منهما هو الكم المتراكم من هذه الافكار المخزونة تاريخياً عند كل منهما عن الطرف الآخر، وقد يكون كثير منها تقولات وافكار متوارثة تاريخياً لاسند لها من الصحة وأحياناً غير موجودة أصلاً، ولكنها مجرد شائعات استقرت في الأذهان على مر الدهور وتفتقر الى السند العلمي وحالها كالاخطاء الشائعة احياناً، والامر الآخر انهما نتيجة لهذه التراكمات الفكرية تكونت وتشكلت لديهما عقلية ومنطق ينسجمان مع هذه المعتقدات وبالتالي ومن هذا المنطلق يجر كل طرف الحوار الى قرصه لاثبات احقية رأيه مع ان كلا منهما سلك طريقاً لا علاقة له بالعلم في اثبات أحقيته فعليه يقتضي الوضع ان يتحرر كل طرف من هذه الافكار القبلية والمنطق المساند لها. والذي يوحد الطرفين ويقرب مساحة الفكر بينهما هو التقيد بالاسلوب العلمي المجرد المتفق عليه بين اهل العلم في المؤسسات العلمية العالمية حتى يمكن ان تتهيأ اجواء صحية للحوار ويأخذ مساراً صحيحاً وموضوعياً، وبالتالي يكون امر الوصول الى الحقيقة سهلاً وهيناً. ولو اصر احد الطرفين على هذه الافكار القبلية من دون سند علمي ورغم انكارها وعدم اعتبارها من الطرف المقابل فان الحوار يأخذ منحى اخر لا علاقة له بالعلم والموضوعية والبحث عن الحقيقة، ومع هذا لا مانع من طرح هذه الامور على بساط البحث لفرزها والتأكد من صحتها ورفع اللبس عنها، وليس مهماً ان يكون الغرض من الحوار ان يتنازل احد الطرفين لمصلحة عقيدة الطرف الآخر، ولكن الاهم هو خلق جو حواري علمي هادئ تكون السيادة فيه للعقل والعقلانية لا للمشاعر والعواطف، وبالتالي المساعدة في عقلنة الاوضاع داخل المجتمع الواحد ومحاربة الفكر الفتنوي وجعله منبوذاً وجعل القانون سيد الموقف.
رابعاً: حسن الظن: القاعدة الاصل في الانسان البراءة، يفترض فينا حسن الظن في الآخرين عندما نتعامل معهم، فالانسان الذي امامك سواء كان مسيحياً او يهودياً او بوذياً، مسلماً شيعياً او سنياً، كلهم بشر من صلب آدم (ع) والانسانية القاسم المشترك بينهم جميعاً، ويجب ان نسلم ان هؤلاء اناس مقتنعون بدياناتهم وعقائدهم ومذاهبهم التي يتعبدون عليها وهم احرار في اختياراتهم، ويجب ان نفهم ان البوذي لم يتخذ من البوذية دينا نكاية بالمسلمين او بغيرهم، وانما يعتقد بصحة ما هو عليه، وهكذا اتباع كل دين ومذهب، وكما تشير الآية الكريمة «كل حزب بما لديهم فرحون» (المؤمنون: 53). وكل ذلك في اطار النظام والآداب العامة، ولسنا مسؤولين عن صدق او كذب نوايا الآخرين لاننا كبشر غير مؤهلين وليس بمقدورنا تشخيص ومعرفة البواطن والنوايا، وكما مر بنا فان هذه الامور من شأن الباري تعالى وحده. فحسن الظن من الامور الجوهرية والاساسية، فالواجب التحلي به، وذلك لخلق اجواء صحية خالية من التوترات والامراض الاجتماعية في المجتمعات الانسانية، وتجنيب انفسنا شرور العنف والبهيمية في السلوك والتطرف في طرح الافكار، وان نقنع انفسنا بأن مصلحة الامة فوق مصالحنا الشخصية، وان طريق الهداية بالاقناع والمنطق والعقلانية والبحث لا بالقوة والقهر والارهاب، لان هذا الاسلوب يتوسل اليه العاجز فكريا الفاقد للدليل والبرهان.
وختاماً لنرتفع قليلاً ونجعل الحماقات والعصبيات والطائفيات تحت اقدامنا، ونجعل من هذه الارض الطيبة (ارض الكويت) امثولة ومنارة تضيء للامم الاخرى كما هي دائماً، ونجعل قاعدتنا الالفة والود والعقلانية والسلام، والله الموفق.
أترك تعليقا